الخطيب الشربيني
602
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
سورة الغاشية مكية بالإجماع ، وهي ست وعشرون آية واثنان وتسعون كلمة وثلاثمائة وإحدى وثمانون حرفا . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ علام الغيوب الرَّحْمنِ كاشف الكروب الرَّحِيمِ الذي خص أولياءه بالعفو عن الذنوب . [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 1 إلى 26 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ( 1 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً ( 4 ) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ( 26 ) وقوله سبحانه وتعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ فيه وجهان : أحدهما : أنّ هل بمعنى قد ، أي : قد جاءك يا أشرف الخلق حديث الغاشية ، كقوله تعالى : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [ الإنسان : 1 ] . قال قطرب : والثاني : أنه استفهام على حاله ، وتسميه أهل البيان التشويق ، والمعنى : إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك وهو معنى قول الكلبي ، والغاشية : الداهية التي تغشى الناس بشدائدها وتلبسهم أهوالها وهي القيامة من قوله : يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ [ العنكبوت : 55 ] وقيل : هي النار من قوله تعالى : وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ [ إبراهيم : 50 ] وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] . وقيل : المراد النفخة الثانية للبعث لأنها تغشى الخلق . وقيل : الغاشية أهل النار يغشونها ويقتحمون فيها . وُجُوهٌ ، أي : كثيرة جدّا كائنة يَوْمَئِذٍ ، أي : يوم إذ غشيت خاشِعَةٌ ، أي : ذليلة من الخجل والفضيحة والخوف من العذاب ، والمراد بالوجوه في الموضعين : أصحابها . عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ، أي : ذات نصب وتعب . قال سعيد بن جبير عن قتادة : تكبرت في الدنيا عن طاعة الله تعالى فأعملها الله تعالى وأنصبها في النار بجرّ السلاسل الثقال وحمل الأغلال ،